يقول
فريدريك إنجلسFrédéric
Engels " ... إننا ملزمون في الفلسفة، مثلما في ميادين
أخرى، بالعودة باستمرار إلى ناتج هذا الشعب ( اليوناني ) الصغير، الذي حققت له قدرته
و حيويته مكانة، في تاريخ تطور البشرية، على وجه لا يسع معه أي شعب آخر أن يطمح إليها
أبدا. "[1]على
هذا كانت الحضارة اليونانية مميزة عن الحضارات الأخرى، و أهم ما تتميز به، يكمن في
كونها حضارة أدركت قيمة فعل التفلسف، إن لم نقل أنها أول حضارة أسقطت هذا الفعل على
متطلبات الحياة اليومية الاجتماعية. إلا أن هذا لا يعني الانتقاص من قيمة الحضارات
الشرقية القديمة أو إقضاء لها، ذلك أن الاختلاف بين الحضارات الشرقية القديمة و بين
اليونان واضح جلي، فالأولى تفلسفت من خلال الفعل المباشر في التعامل مع الموضوعات المختلفة،
فكان فعل التفلسف بهذا كامن في لا وعي هذه الشعوب، بينما اليونان " عندما كانوا
يستعيرون منجزات العديد من الشعوب، خصوصا
من المصريين و البابليين ... كانوا يستعيرونها على طريقتهم الخاصة. "[2] ففي علاقتهم بشعوب كثيرة، و بالتعرف على عاداتها، و تقاليدها، و معتقداتها،
و معارفها، تسنى لهم إثراء معارفهم الخاصة و بالتالي الارتقاء بمستوى ثقافتهم. و حين
كانوا مجددين غير مقلدين ما استحسنوه في الأخرين، كانوا فاعلين غير منفعلين. و هذا
الاختلاف عن شعوب الشرق القديم يبرز في تنظيرهم للمعارف العلوم طرق العيش. فمن السذاجة
إدا " أن ننسب إلى اليونان ثقافة أهلية، فهم بالعكس قد تمثلوا ما للشعوب الأخرى
من ثقافة حية، وإذا ما ذهبوا بعيدا فذلك لأنهم عرفوا كيف يلتقطون الرمح الذي تركه ملقى
على الأرض شعب آخر ليرمو به إلى أبعد "[3]
إذن
شتان بين الحضارات السابقة عن اليونان و بين الحضارة اليونانية، التي ارتقى الإنسان
فيها إلى طبيعته الحقيقية، بأن أصبح منظرا لأفعاله متعقلا لها. هذا هو مقياس إشعاع
الثقافة أو الفكر اليوناني الذي أدهشنا و مازال يدهشنا حتى يومنا هذا.
في هذا الطابع الفكري للحضارة اليونانية
ظهر مفكرون و متفلسفون أمثال سقراط Socrate
و أرسطو Aristote،
و غيرهم ممن تبعهم وإن لم نأتي على ذكر المتفلسفين القبل السقراطيين إلا لأننا اعتبرنا
سقراط منزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، كما يفضل أن يصفه الخطيب الروماني سيشرون
Cicéron *
و محولها من الطبيعة إلى الإنسان فقد أعطى سقراط Socrate
كما يقول رينان Renan
: " ...العالم الفلسفة و أعطاه أرسطو العلم. "[4]
*
ماركوس ثوليوس
سيشرون Cicéron
(106-43 قم)، مفكر روماني و سياسي بارز. اشتغل
بالمحاماة و تقلب في مختلف وضائف الدولة أقصي عن روما لبضعة أشهر، ثم استدعي بعدها.
إثر عودته من المنفى عمل على تأسيس حزب سياسي قوي، غير أن الأحداث التي مرت بها روما
أعاقت قيام ذلك الحزب، مما جعل سيشرون يصرف النظر عن العمل السياسي ليمارس المحاماة،
و إن كان قد تولى بعد ذلك، على غير رغبة، في سنة 51 قم الحكم في كيليكيا. أعدمه أنطونيوس
سنة 43 قم نتيجة لمواقفه المناهضة لسياسته.
-4-
ول ديورانت، قصة الفلسفة من أفلاطون إلى جون ديوي، ترجمة د. فتح الله محمد المشعشع،
منشورات مكتبة المعارف، بيروت-لبنان ، الطبعة الأولى 2004، ص 59.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق