بحث

الثلاثاء، 10 سبتمبر 2013

الجوهر اللاصوري لنظرية المنطق عند ارسطو، و حقيقة الطابع الواقعي للنظرية المنطقية الأرسطية.



 

   يرى الكثير من الدارسين للمنطق الأرسطي أن أرسطو Aristote هو المؤسس الحقيقي للمنطق الصوري، و أن المنطق الرياضي المعاصر لا يختلف عن  المنطق الأرسطي إلا اختلافا بسيطا، يفرضه تطور الطرق المنطقية التي تظهر في استخدام التقنيات الرياضية، و على هذا تكون العلاقة بين منطق أرسطو و المنطق الرياضي الحديث علاقة أبوة. و قد حاولوا بهذا التقريب بين المنطقين، فلم يكن في منظورهم منطق أرسطو أقل صورانية من المنطق الحديث، لكن هل نظرية أرسطو المنطقية هي في حقيقتها نظرية صورية محض مثلما هو عليه المنطق الرياضي؟ و هل هي نظرية ذات بعد لا واقعي؟
لفك هذه المشكلة، لابد من البحث في حيثياتها عند المؤسس الأول لعلم المنطق أرسطو طاليس، الذي لم يكن يتصور المنطق  Logiqueعلى أنه منطق صوريFormelle  محض، فبالعودة إلى أثار هذا الاخير نستطيع أن نجد عنده " نوعين من المنطق: المنطق الصغير ... و المنطق الكبير. "[1] الأول تعرض له في كتابه التحليلات الأولى: الذي يتناول فيه بالبحث و الدراسة نظرية القياس Syllogisme، منظورا إليه من ناحية صلاحه الشكلي، و على هذا فإن المنطق الصغير هو بحث في صلاح صور الفكر، أما المنطق الكبير الذي نجده حاضرا في كتاب التحليلات الثانية: " فهو يتكلم عن القياس مطبقا على البرهان Démonstration. "[2] و هو ما يعرف بالمنطق المادي. من هذا يمكن أن نفهم أن القياس البرهاني ليس استدلالا صوريا لأنه يهتم بمادة المقدمات، و لأنه القياس الذي ينطلق من مقدمات يقينية تقدمها لنا علاقتنا مع العالم الخارجي، و ليس الافتراضات العقلية الخالصة.
     من هذا المنطلق كان منطق أرسطو ذو بعدين، بعد صوري و بعد واقعي مادي،     و صورية المنطق لا يجب أن تفهم أنها دراسة شكل Figure الفكر بمعزل عن مضمونه إذ هي " دراسة صور الفكر بشكل مستقل عن المادة التي يطبق عليها. "[3] كما هو الحال بالنسبة للمنطق الرمزي و حتى " التحليلات الأولى التي تعتبر بحثا شكليا، فيها جانب مادي. "[4] و ما كان لأرسطو لولا التحليلات المادية بالعودة إلى العالم الواقعي أن يكشف عن قوانين القياس Syllogisme، و يكتشف المقولات Catégories ( الجوهر، الكم، الكيف، الإضافة، المكان، الزمان، الموضوع، الملك، الفعل، الانفعال ) فالمقولات لـــــيست " مجرد أحوال لتمثلات الذهن في قوالب من التصورات، و إنما هي تمثل الأحوال الفعلية للوجود في عالم يقع خارج الذهن ... و من ثمة لها ( المقولات ) جانب أنطولوجيا مثلما لها جانبا منطقيا. "[5] ولتوضيح أكثر كبداية لابد لوجود الموجود من وجد الجوهر، ولما كان الموجود لا يمكن أن يوجد بوصفه جوهرا فحسب، بل لابد أن تلازمه امتدادات عرضية، فالقرد على سبيل المثال لا يمكن أن يوجد ما لم يكن له لون ما و لا يمكن أن يكون له لون ما لم يكن له كم و امتداد، كما أنه لابد للقرد أن يوجد في مكان ما و زمن معين و لابد ان يكون له وضعية معينة.
     إن أرسطو Aristote في نظريته في المعرفة لم يفصل المنطق logique عن المعرفة إذ أنه " لم يفكر في فصل دراسة المعرفة من حيث هدفها و قيمتها ...عن المنطق."[6] هذا ما لا يجعل منطق أرسطو منطقا صوريا محضا يقوم على اتساق الفكر مع ذاته بقدر ما يجعل منطقه يقوم على تطابق الفكر مع الواقع، هذا مما جعله منطقا مفتوحا على الواقع، " فقد ضلت نظري المعرفة عنده مختلطة بالمنطق، و كانت قيمة العلم و طرق تحصيله يشكلان سويا موضوع دراسة واحدة. "[7]
     إن المعرفة عند أرسطو Aristote تستمد من العالم الخارجي من خلال ما تستقبله الحواس من أثار مادية، و بما أن العالم الخارجي هو عالم محسوسات و من ثمة عالم جزئيات فإننا ندرك  الكليات الخمس Cinq Universaux ( الجنس، النوع، الفصل، الخاصة، العرض )، فمثلا المقدمة الكبرى في القياس التالي:
كل إنسان فان.
سقراط إنسان.
إذن سقراط فان.
     تقوم على أساس الإدراك الحسي من خلال استقراء عناصر الواقع الجزئية للوصول إلى مثل هذا القول الكلي، و القياس هنا زيادة على أن مقدماته هي مقدمات ذات مصادر واقعية. " يعطينا معرفة مؤكدة عن الواقع ... ليس لمجرد استخلاص نتيجة صحيحة طبقا لقوانين المنطق. "[8] و من ثمة فإن أرسطو يعيد صياغة العالم الخارجي تصويريا من خلال المنطق " فالحكم الصادق هو الذي يقول عبارة عن الواقع تتحقق في العالم الخارجي. "[9] هذا ما يؤكد منطلقنا الذي نحن بصدد تأكيد صحته، ألا و هو الطابع الواقعي لنظرية المنطق الأرسطية.
       و لنعرج إلى زاوية مخالفة أين نجد بول تنري Paul Tannery المؤرخ و الرياضي يقول: " عندما ندرس في أرسطو استعمال الرموز الحرفية للدلالة على موضوعات فكرية، فإننا سنقول حتما في انفسنا أنه لم يبقى بين اليونان و جبر فيت Viét إلا بعض الخطوات."[10]  يخطر ببالنا و للوهلة الألى أن أرسطو سبق مناطقة العصور الحديثة في استعمال الرموز التي تحيلنا للاعتقاد بصورية المنطق الأرسطي، فما أعطى للمنطق الرياضي طابع الصورانية هو قدرته الهائلة على تجريد الفكر، لكن حينما نعاود الرجوع إلى الواضع الأول للمنطق نجده يعلل استخدامه للرموز بقوله أنه استعمالها " لبيان التعليم للمتعلم. "[11] أي أنه استخدم الرموز لأغراض التوضيح و التبسيط، بل و أكثر من ذلك إذ أن أرسطو نفسه ينفي تقديم الرموز بدون دلالات، وأشياء تشير إليها، و لذلك فإنه يأخذ بعين الاعتبار الشيء الذي يشير إليه الرمز، لأن الرمز عنده لا يستعمل على أنه شيء محدود يشار إليه و إنما على أنه شيء يشير إلى شيء آخر، لذلك نجده يشبه رموزه بالخط المستقيم الوهمي الذي يقدمه المهندس، و يبين أن هذا الخط المستقيم الوهمي لا أهمية له إلا لأنه يدل على الخط الواقعي على الارض، هذا ما يجعل مجال منطق أرسطو ليس المجال الصوري الخالص، بالرغم من وجود بعض العناصر التي تحيل إلى صوريته.
       إن ما يمكن ملاحظته على منطق أرسطو هو أنه لم يستطيع الاستغناء عن اللغة الطبيعية*، هذا ليس للانتقاص من أهميته بل لمجرد التذكير بأنه كان قائم عل اللغة العادية  " و لم يستطع التخلص من اللغة كوسيط للتفكير. "[12] فاللغة تتبع الفكر و الفكر لا يمكن أن يوصف بأنه فكر إلا في حالة معالجته لموضوع ما أو شيء ما، و منه يصبح التفكير بدون لغة و للغة بدون واقع من المحال " فلكي تكون هناك وقائع ... لابد من وجود جهاز من المفردات يمكن وصفها به، و من دون جهاز قبلي من المفردات لا يمكن أن تكون هناك وقائع من أي نوع. "[13] فنحن إذا نبتكر اللغة  بما تحمله من دلالات لوصف الواقع و تسمية الأشياء، و لما كان منطق أرسطو من مميزاته استخدام اللغة الطبيعية أي لغة الكلام كان كثير الصلة بالواقع.
       و لزيادة البعد عن الاعتقاد بصورية المنطق الأرسطي نرمي خطوة جديدة المتمثلة في أن أرسطو كانت تشغله غايات عند وضعه للمنطق، و أهم تلك الغايات كانت التصدي لمغالطات السفسطائيين في مجادلاتهم الفلسفية، فنظريته في المنطق بشكل عام و القياس بشكل خاص، أتت لتحدد القواعد التي وفقها تسير عملية الاستدلال Raisonnement دون الوقوع في المغالطات، فلو كان منطق أرسطو صوريا محضا كان القياس التالي:
كل عين جارية.
عائشة جارية.
إذن عائشة عين.
     قياسا صحيحا شكلا و مضمونا، لكن بعد بحث و تقصي لما يتضمنه هذا القياس، من مادته و علاقتها بالواقع، نكتشف أنا ما حكمنا عليه بالصحة في الوهلة الأولى ما يلبث أن يظهر على حقيقته " فمن الخطأ الفادح أن نفترض أن منطق أرسطو يعنى بأشكال التفكير البشري بطريقة حصرية تجعله لا يرتبط بالواقع  الخارجي. "[14]
     و في محاولة أخيرة في إبطال هذا الزعم المعتقد بصورية المنطق الأرسطي الخالصة و الذي نحن بصدد محاولة تكذيبه، نعود لنجد أن هذا الاعتقاد قد جاء نتيجة لما أصاب المنطق الأرسطي من تعديلات و تغيرات على يد المتأخرين، سواء بالحذف أو الإضافة حيث " راح هؤلاء المتأخرون يدخلون بعض التعديلات على موضوع المنطق،   و يحذفون بعض كتب الأورغانون حتى يصلوا بالمنطق إلى المعنى الصوري الخالص.   "[15] من هذا الفعل انبثق الزعم القائل بأن منطق أرسطو هو منطق صوري خالص.
     و مجمل القول أن منطق أرسطو لم يكن صوريا بالمعنى الدقيق للكلمة و إذا استطاع المنطق الأرسطي أن يعطينا قواعد تعصم الفكر من الوقوع في الخطأ، فإنه بقي له من ناحية أخرى امتداد في الواقع الخارجي، الذي نتصل به عن طريق الإدراك الحسي و بهذا ظل أرسطو و فيا للفلسفة الواقعية.


-1- علي سامي النشار، المنطق الصوري منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة، ص 19.
 -2-المرجع نفسه، ص 19.
-3- نيقولا ريتشر، تطور المنطق العربي، ترجمة ودراسة و تعليق محمد مهران، الجزء الأول، الطبعة الثانية 2005، ص 25 - 26.
-4- علي سامي النشار، المنطق الصوري منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة، ص 19.
-5- فريديريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة المجلد الأول ( اليونان و روما )، ترجمة إمام عبد الفتاح المشعشع، المجلس الاعلى للثقافة، الطبعة الأولى 2002، ص 381.
-6- مصطفى النشار، نظرية المعرفة عند أرسطو، دار المعارف، الطبعة الثالثة 1995، ص 17.
 -7-المرجع نفسه، ص 17.
-8- فريديريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة المجلد الأول ( اليونان و روما )، ص 380.
-9- المرجع نفسه، ص 380.
-10- محمد ثابت الفدى، أصول المنطق الرياضي، دار النهضة العربية للطباعة و النشر، الطبعة الأولى 1972، ص 43.
-11- أرسطو، التحليلات الأولى، تحقيق و تقديم عبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، 1980، ص 238,
*  لغة الألفاظ و الكلام.
-12- فريديريك كوبلستون، تاريخ الفلسفة ( اليونان و الرومان )، ص 383.
-13- جون سيرل، العقل و اللغة و المجتمع في الفلسفة الواقعية، ترجمة سعيد الغانمي، منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى 2006.
-14- فريديريك كوبلستون تاريخ الفلسفة المجلد الأول ( اليونان و روما )، ص 380.
-15- نيقولا ريتشر، تطور المنطق العربي، ص 26
                                                                                                                                                                                     أ:     دربال عبد العزيز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق