بحث

الأحد، 4 أغسطس 2013

اشكالية المهد الاول للتفكير الفلسفي :


الموقف الأول :اختلف المؤرخون و الباحثون في تاريخ الفلسفة حول مكان نشأة التفلسف لأول مرة ووقفوا من هذه المسألة موقفين مختلفين الاول رد بداية التفلسف الانساني الىى أرض اليونان مثلا "آرسطو وبرتراند راسل" ردوه الى "طاليس" في المنتصف الأول من القرن 6م و البعض الآخر من المفكرين أكد أن التفلسف قد بدأمع المدارس الثلاث المتعاصرة " الأيونية، الايلية، و الفيثاغورية" و البعض الآخر أكد أن الفلسفة بالمعنى الصحيح للكلمة ليست لطاليس وانما ل"سقراط" الذي أنزل الفلسفة من السماء الى الأرض و الذي اشتهر بمقارعة السفسطائيين الذين كانوا يشككون في قدرة الانسان على الوصول الى الحقيقة ولم يكترث للبحث في الماورائيات بل وجه جل اهتمامه للأبحاث المتعلقة بالانسان ومن أبرز الآراء أيضا التي أكدت على صحة هذا الموقف عالم الاجتماع الأمريكي "بارنس" حيث يؤكد أن أي بحث منظم عن الظواهر الاجتماعية لم يبدا الا مع اليونان ويرى المفكر الانجليزي" تيودور كومبرز" بان الشعب اليوناني هو أصل الرقي و خالق الحضارة الانسانية و ليس لأي شعب آخر أن يدعي ملكية ما هوملك خاص لليونانيين << لقد كان لشعب صغير أن يخلق مبدأ الرقي هذا الشعب لم يكن سوى الشعب اليوناني ، و اذا استثنينا قوى الطبيعة العمياء فاننا نقدر على القول أن لا شيء يتحرك في هذا الكون الا وهو ذوأصل يوناني >>ويرى "بيرنت ألايكوسي"<< ان الفكر اليوناني غير مدين الا بشيء قليل للفكر الشرقي و اننا لا نقدر أن نثبت وجود فلسفة عند المصريين أو البابليين 0انما الشعب الهندي هو الشعب الوحيد الى جانب الشعب اليوناني الذي كان له فلسفة حقيقية >>
و البعض الآخر من أنصار هذا الموقف المستشرق الفرنسي "رنان" و"كوزان" بالغوا الى حد أنهم ميزوا بين عقلية الشعوب المختلفة وتحدثوا عن خصائص ثقافية و ذهنية معينة لكل جنس من الاجناس البشرية حيث يزعمون ان الأجناس الشرقية تختلف في تركيبها الذهني و الثقافي عن الشعوب الغربية ومن ضمنها الشعب اليوناني ،فعقلية الشرقي هي أبعد ما تكون عن العقلية العلمية فهي لا تعرف النظريات التحليلية و التأليفية التي يتميزبها الفكر الغربي أو اليوناني والتي هي أساس تكون المذاهب والنظريات الفلسفية والعلمية على حد سواء و يعتقد هؤلاء أيضا أن الافكار الشرقية هي مجرد أفكار فطرية ساذجة بدائية لا تستحق أي دراسة تأملية عميقة لأنها لا تتضمن معلومات تستحق الذكر و لانها لا ترقى الى مرتبة النظريات العامة أو المذتهب الفلسفية الكبرى على غرار ما نلمسه و نراه في الفكر الغربي القديم أو الفكر اليوناني.
*
نقد الموقف:
نلمس نوعا من المغالطة و التعصب و التهور و البعد عن الموضوعية العلمية و بالتالي الخروج عن دائرة العلماء و الباحثين فقد تناسى هؤلاء ان اليونانيين في مراحل تفكيرهم الاولى كانوا يؤلهون مشاهير ابطالهم في مراحل تفكيرهم الاولى و ينسبون اليهم الخوارق مما لا يصدقها عقل ،كم كانوا يغدقون على آلهتهم كل الصفات البشرية الممقوتة من شهوة و ظلم و حقد ، و كان التفكير اليوناني تفكيرا لاهوتيا خالصا تمثل في الياذة هوميروس و الاوديسا و تأثر به كل الفلاسفة اليونان من "أفلاطون الى آرسطو" لذلك لا يمكن القول بأنهم فقط من خلقوا مأ الرقي الانساني و لا يمكن القول أيضا أن الحضارة الانسانية المعاصرة هي امتداد للعبقرية اليونانية.

الفريق الثاني من الباحثين و المؤرخين في تاريخ الفلسفة و نشأتها أمثال 'جوستاف لوبون 'بول ماسون''لويس رينو' هؤلاء يردون نشأة الفلسفة و بدايات التفلسف الانساني الى تراث الشرق القديم أي الى قدماء المصريين و البابليين و الكندانيين و الصينيين و الهنود و الفرس ،حجة هذا الفريق الذي ظهر الى الوجود منذ أواسط القرن الماضي هو أن الشعوب الشرقية القديمة كانت سبقت اليونانيين القدماء الى ابتداع حضارات زاهرة عرفت بعض العلوم النافعة و سادت فيها بعض الآراء الدينية السامية.
مثلا بلاد فارس التي عرفت الديانة "الزرادشتية" في القرن السادس قبل الميلادوالقائمة على مبدأ "الثنائية الالاهية فالعالم يحكمه الاهان ،اله الخير'أهريمان'و اله الشر'أهرمزاد' و هما في نزاع دائم لكل منهما القدرة على الخلق فاله الخير هو الأصل في كل ما هو نافع و خير و حسن في العالم كالحق و الجمال ،النور و حتى الحيوانات النافعة، بينما اله الشر هو خالق كل ما هو شر و قبيح في العالم فهو خالق الظلام و الظلم وهو خالق الحشرات و الأفاعي و كل الحيوانات المفترسة...وحتى الحرب ، فبينهما صراع دائم لكن الغلبة في النهاية لإله الخير على اله الشر.
أما المصريون القدماء فقد توصلوا في ميدان العلوم الرياضية و الكيميائية و النظر الديني أو الميتافيزيقي الى أرفع ما يمكن أن يتوصل اليه العقل البشري المتطور ، فالفكرة القائلة بان الماء هو أصل جميع الأشياء أو أول العاصر الطبيعية هي فكرة قديمة نلحظها عند قدماء المصريين و كذلك البابليين و الهنود كذلك ففكرة الايمان بالبعث و الحياة الأخرى بعد فناء الجسد هي فكرة ايضا نجدها عند المصريين كم نجد مبادئ "اقليدس" في الهندسة لدى المصريين جملة و تفصيلا، و اذا كان المصريون القدماء لم يؤلفوا الكتب العلمية في الهندسة كما فعل اليونانيون فانهم لا شك قد عرفوا هذا العلم قبل اليونانيين و برعوا في استخدام نتائجه و هكذا فبدلا من أن يعنى المصريون بالجانب النظري للهندسة فقد اعتنوا بالدرجة الأولى بالجانب العملي التطبيقي منها فكان نتاج ذلك الأهرامات التي تتحدى الزمن بوجودها منذ آلاف السنين و هي خير دليل على عظمة قدماء المصريين في هذا الحقل هذا فضلا عن استخدام المصريين لعلم الكيمياء في عملية التحنيط "حفظ الموتى" لايزال حتى اليوم سرا و لغزا محيرا فرغم آلاف السنين لا تزال المومياءات تحتفظ بصورها و أشكالها الأصلية و المتنوعة و تحافظ على هياكلها هذه الآثار تدل على تقدم المصريين القدامى في علوم مختلفة ومن جلتها الكيمياء.

يعتقد "بول ماسون اوسيل" أن الفكر الهندي هو كناية عن مذهب عملي في حياة أو طريقة عيش خاصة فأعمال الانسان أو أفعاله هي التي تقرر في النهاية ماهيته و مصيره وهي التي تشكل حياته المستقبلية الشيء الجدير بالاعتبار لدى المفكرين الهنود هو اعتقادهم بالفكرة التي تؤدي الى غاية مفيدة و نتيجةنافعة هذه الفكرة ليست بصحيحة من وجهة النظر العقلية الصرفة وعلى ذلك فالفكرة النظرية و لو كانت صحيحة بحكم العقل و يقتضيها العقل بحد ذاته فانها لا تعد كذلك أولا ينظر اليها بعين الاعتبار اذا لم يساندها الواقع بمعنى اذا لم تؤدي الى غاية مفيدة على الصعيد العملي المباشر اذا الفلسفة الهندية لا تأبه و لا تكترث مطلقا بالمعرفة العقلية او النظرية كما هو الحال في
الفلسفة اليونانية فمثلا مذهب'اليوغا' الذي يعبر عن طبيعة الفلسفة الهندية وجوهرها يعلم عن طريق التجربة و الممارسة كيف يمكن ان ننمي سلطة الروح على الجسد وذلك للخلاص من ريق الجسد و أهوائه و شهواته و مختلف ميولاته حيث يذهب "هنري جيمس برستيد" الى القول ' ان الشرق القديم هو مهد المدنيات و الحضارات انه المعلم الاول للبشرية نحو المدينة المادية و الروحية على حد سواء فعلى ضفاف النيل بدأ الناس مند آلاف السنين يؤمنون بالبعث و يدعون الى حياة طاهرة ووصلوا منذ آلاف السنين الى أسمى ما يفكر فيه الناس من دعوة الى الخلق الكريم' معنى ذلك أنه منذ آلاف السنين عرفت مصر القديمة الايمان بالبعث و الحياة الأخرى و الأخلاق الفاضلة.
كونفوشيوس:
لا يهتم على الاطلاق ببحث الماورائيات وانما يولي جل اهتمامه للبحث في السياسة و الأخلاق و فيما ينبغي أن تكون عليه حتى يتمكن الانسان من العيش بسعادة في هذا العالم.
كما يرى بعض المفكرين أن جذور الأدب اليوناني تمتد للأدب المصري و قد حصل ذلك نتيجة تواصل و احتكاك الثقافات مع بعضها البعض حيث يقول أحد المفكري'يبدو أن الأدب المصري القديم قد نمى في العصور المتأخرة وترك الفرصة لأمة عظيمة و هي الأمة اليونانية لكي تنهض به و تصل الى معنى الأدب الذي نفهمه في العصر الحديث' و لذلك لفهم الفكر الغربي الذي تمتد جذوره من الفكر اليوناني فهما صحيحا ينبغي دراسة الفكر العلمي كله ومن ثمة تركيز الفلسفة الغربية و سط مجموعة الفلسفات الانسانية و مجموع الفكر الإنساني .
من خلال ما تقدم يمكننا القول أنه لا يمكن نفي التفلسف الحقيقي عند اليونانيين و أن نشأة المذاهب الفلسفي الكبرى ظهرت مع اليونانيين لكن لا بد من القاء نظرة على الكثير من الأفكار الفلسفية التي عالجها اليونان انما كانت سائدة بصورة ما عند المشارقة ، فاذا كان اليونانيون لم يتلقوا من الشرقيين فلسفة حقيقية و لا أي علم حقيقي فذلك لا يعني أنهم لم يتلقوا من المشارقة موادا كدستها التجربة الطويلة و التأمل في بعض مظاهر الوجود و المتضمنة لبعض المحاورات أو الخطوط العريضة لتفسير الكون .
فالفلاسفة اليونانيين أنفسهم قد اعترفوا بسبق المشارقة لهم في ميدان التفلسف كما اعترفوا بفضلهم في هذا المجال وكانوا يتحدثون باحترام عن العلوم و الحضارة الشرقية فمثلا "هيرودوت" يرى أن 'الدين و الحضارة اليونانية قد جاءا من مصر كما يرى أن الفلاسفة اليونانيين قد استفادوا من المصريين خاصة في النظريات القائلة بحدود النفس'
فاذا كان التفكير الشرقي عملي ديني على اعتبار أن الأفكار الشرقية أكثر صحة و أكثر اتصالا بالحياة الدينية و العملية منها بالتفكير الفلسفي المنظم.
اذا الواقع يثبت ان التفكير الفلسفي العمي هو وليد التفكير العملي و ذلك باعتراف من "بيرغسون" و الذي عرف بنظريته الشهيرة و مفادها' أن الانسان العارف ما هو الا امتداد للإنسان العامل'.
اما اذا كان الفكر الشرقي القديم لم يبلغ في سموه مرتبة الفكر اليوناني القديم فهذا لا يعيبه و لا يمكن أن يكون سببا للتجريح أو الطعن فيه و انما ينبغي النظر اليه على أنه سابق للفكر اليوناني القديم بقرون عدة و بذلك يشكل المرحلة الاولى من مراحل التفكير النساني أو اللبة الاولى لطريق التحضر الانساني و المعرفة الانسانية فلكي نتعرف على التطور الذي عرفته المعرفة البشرية يجب الرجوع الى دراسة واقع الفكر الشرقي الذي بلغ ذروته مع اليونانيين.

لذلك لا يجوز الادعاء بان الحضارة اليونانية هي الحضارة النسانية الاولى التي أمدت العالم بالتفلسف لكن قبلها حضارات عدة مختلفة في بلاد الشرق القديم مثل الحضارة المصرية و الحضارة الهندية و الحضارة الصينية و الفارسية و عندما قامت حضارة اليونلنيين كانت هذه الحضارات مزدهرة و لامعة وف هذا الصدد يقول "جوستاف لوبون" 'نحن نعلم اليوم أنه في العصر الذي لم يكن فيه اليونانيون الى الجهلة ة برابرة و كانت هنالك حضارات لامعة زاهرة على ضفاف النيل' أضف الى ذلك أنه أولى المدن اليونانية التي انجبت الفلاسفة الكبار كانت قريبة من بلاد الشرق و القائمة في آسيا الصغرى مثل مدينة 'ميليت' التي انجبت "طاليس و انكسمانس" و مدينة' ايفاز' التي أنجبت "هرقليدس" و مدينة ' سامنس' التي أنجبت "فيثاغوس".
فضلاعلى أن سكان العالم اليوناني القديم كانوا عبارة عن مهاجرين من آسيا يتوزعون بين قبائل الأيونيون و الآخيون و الاينيون و الدوريون .
في ختام القول يمكننا أن نشهد لليونانيين أيضا أنهم تميزوا أيضا عن الشعوب الشرقية القديمة بميزة خاصة و هي أنهم التمسوا المعرفة لأجل المعرفة فقط و بدافع من اللذة العقلية الخالصة بمعنى أن الفلاسفة اليونانيين طلبوا المعرفة و بحثوا في مختلف مظاهر الوجود دون الاهتمام بما قد يتولد او ينتج جراء ذلك من فوائد عملية أو دينية أو دنيوية أي دون أن تكون البواعث التي حركتهم أو دفعتهم الى ذلك متعلقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بغايات مادية أو هموم كما هو ملاحظ لدى الشعوب الشرقية.
فنظرة اليونانيين في الوجود و المعرفة غرضها الوصول لاكتساب الحقيقة فقد كانت آراؤهم الفلسفية مفسرة و معللة لمظاهر الوجود المختلفة لذلك فان ما يميز الأبحاث الفلسفية اليونانية عن الأفكار الشرقية الفلسفية هو التحليل المنطقي و الترابط العلمي و الرهان العقلي الذي يسود هذه الأبحاث الأمر الذي تفتقر اليه الأفكار الشرقية و مع ذلك فان دراسة تاريخ الفلسفة العالمية لابد أن يبدأ بالفكر الشرقي القديم مهما كانت الظروف.
                                                                                 


                                                                                                                                               محاضرة للأستاذة: هرنون نصيرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق