بحث

السبت، 31 أغسطس 2013

مسابقات الماجستير


جميع مسابقات الماجستير المفتوحة في الجامعات الجزائرية للموسم الجامعي 2013-2014






الإعلان الوزاري المتعلق بمسابقات الماجستير 313357_265156530285607_2345740_n.jpg



أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العالي القرار رقم 473 في 10 جويلية 2013 يتضمن تأهيل مؤسسات التعليم العالي لضمان التكوين لنيل شهادة الماجستير ويحدد عدد المناصب المفتوحة للسنة الجامعية 2013-2014


لتحميل القرار إضغط على الرابط التالي:




الجمعة، 30 أغسطس 2013

المحطة المعرفية الفكرية الفلسفية الحلقة : 2


سلسلة دروس الفلسفة لأقسام النهائي : نقدم اليوم مدخل للدراسة الفلسفة من خلال شرح سريع و مبسط لمفهوم الفلسفة و تطورها عبرالفترات  والحقب التاريخية   ا 

الأربعاء، 7 أغسطس 2013

التغيير الحضاري في فكر مالك بن نبي.



     إن الهدف من هذا البحث هو الوقوف على فكرة التغيير التي عالجها المفكر الإسلامي مالك بن نبي.  ومن ثمة إبراز آليات التغيير التي تسمح للمجتمع الإسلامي بالتحضر . والتغيير يقف عنده على أرضية صلبة إذ أنه يعالج التغيير من جميع الجوانب النفسية والاجتماعية والأخلاقية جاعلا نصب عينيه آية: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ وهو يصل إلى نتيجة مفادها أن المجتمع الذي خرج من الحضارة عليه أن يخضع لنفس الشروط التي حركته لأن ينطلق حتى  يلعب دوره في التاريخ . وهذه الشروط هي:
    أولا:  »علينا أن نتخلص بفعل عامل تنحية لكل ما أصاب ذواتنا وعقولنا من براثين وعادات رجل ما بعد الموحدين.
 وثانيا علينا أن نفعل العمل الجماعي المشترك من أجل الوصول بالمجتمع إلى غاية، وهي الحياة الراقية: أعني الحضارة«.
      كما أن بن نبي يقف على مسألة جد مهمة وهي: »علينا أن نتشبع بالفكرة القرآنية ونقتنع بها، وفي الآن نفسه علينا أن نقنع الآخرين بها، وإلا فإن التحدي الحضاري سوف يفرض علينا نفسه«.
ثالثا يجعل بن نبي الفرد المسلم بين مخافتين: أولاها أن هذا الفرد لا يملك شيئا أمام قوة وبطش حضارة التكنولوجيا من جهة، ومن جهة أخرى أنه لا يملك شيئا من أدوات الحضارة فكيف به يستطيع أن يروي أرضا جدباء في قمة الجبل.  وفي هذا الشأن يراهن بن نبي على الجانب الأخلاقي. لإيمانه بأن الحضارة لا تقوم إلا عليه. يقول بهذا الصدد  »ليس الهدف أن نعلم الناس أن يقولوا أو يكتبوا أشياء جميلة وإنما الهدف أن نعلمهم فن الحياة مع زملائهم أعني أن نعلمهم كيف يتحضرون « .
من هذه الأفكار وغيرها سوف ننطلق في تحليل إشكالية كيف نظر بن نبي إلى التغيير؟
وللإجابة على هذه الإشكالية سوف نتبع الخطوات المنهجية التالية:
-        أولا في مفهوم التغيير الحضاري عند بن نبي.
-        التغيير في الأفكار: لعناصر الحضارة  
-        التغيير في تطور مراحل الحضارة. 
-        نتائج البحث 
 
           إن الغرض من هذه الدراسة هو إبراز أهم عناصرالتغيير في فكرة الحضارةعند مالك بن نبي. ابتداء من الوقوف على التصور العام لها عنده: أي مناقشة المفهوم و النشأة فيها. مقارنا ذلك كله بما هو عليه تصور ابن خلدون وتوينبي Toynbee وشبينجلر Spengler وغيرهم لفكرة النشوء في الحضارة.
     كما نأتي على تتبع عناصر التغيير فيها مع مراحلها ابتداء من مرحلة الروح ومرحلة العقل ثم مرحلة الغريزة.تتبادى للعيان العناصر التي جدد فيها ملك بن نبي من خلال تتبع مراحلها، لاسيما مع توينبي الذي يقول عنه مالك أنه استقى منه المعالم الأولى في الفكرة.
 ونتتبع سير الحركة التاريخية في التصورات الفلسفية لها لاسيما مع كل من هيجل Hegel وماركس: Marx بغية إبراز المكانة التي يطرحها هذا المفكر(مالك بن نبي ) .
     ونأتي أخيرا على النتائج التي ( هي أهم عناصر التجديد في هذا الفكر الحضاري ) المتباينة بين نتائج ذات طابع علمي راقي وهذا المتعلق بالمعنى العميق فيها. والذي يجيب على التساؤل التالي إلى أي مدى وفق مالك في تصوره؟ وبعض النتائج المشتركة بين فكرته عنها وكل تفكير في فكرة الحضارة.  
    مفهوم التغيير الحضاري:
      الحقيقة أن مالك بن نبي يحدد هذا المفهوم من زاويتين: أولاها النظرة الإستقصائة وثانييها النظرة الوظيفية. فبخصوص الأولى يرى أن الحضارة " هي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه، فالمدرسة والمعمل والمستشفى ونظام شبكة المواصلات والأمن في جميع صوره عبر سائر تراب القطر واحترام شخصية الفرد تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة التي يريد ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه "([1])) وهذا المفهوم هو مفهوم يركز على العلاقة الواجب توفرها بين المجتمع والفرد في داخل هذا المجتمع وهذا هو عنصر التجديد: إذ أن المفاهيم السابقة لم تتطرق لهذه العلاقة -(سوف نتتبع أهم من ساقوا المفهوم في تصوراتهم الحضارية )- من جهة، ومن جهة أخرى، يقدم الشمولية التي يجب توفرها لهذه العلاقة الواجب توفرها في مجتمع ما. أعني الشروط الأخلاقية المادية التي يقدمها المجتمع للفرد لغرض إنشاء هذه العلاقة. وإن أردنا تحليلا أكثر للمعامل الأول: أي معامل العلاقة الواجب توفرها. قلنا أن المجال مفتوح بين المجتمع والفرد في هذا المجتمع من أجل إنشاء هذه العلاقة، فكما أن المجتمع مدين للفرد ببعض السلوكات. فكذلك الفرد مدين لمجتمعه هذا بسلوكات، تجعل المجتمع يدافع عنه في حالة ما إذا شذت السلوكات هذه عن القاعدة الاجتماعية هذه. وهي الصورة التي كان يشير إليها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: "مثل المؤمنين في تواديهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى " ومنه فإن عملية تنشئة السلوكات عملية متبادلة بين الاثنين وكذا الحال مع الشروط المادية التي يستفيد منها الفرد في المجتمع ليعود بها هذا الفرد بالفائدة على المجتمع. وهو ما يتجسد من تلقى هذا لفرد من دعائم مادية في هذا المجتمع والعكس صحيح أي ما يمكن أن يتلقاه هذا المجتمع من إنتاج مادي من هذا الفرد حتى لا يشذ أيضا عن "القاعدة الاجتماعية" ويصبح عالة على غيره.
      وحسب مالك بن نبي فإن هذا التلقي من الطرفين يبدأ منذ الولادة حتى الشيخوخة وهو بذلك يمثل الصورة المنظمة المتكاملة لمفهوم الحضارة. وهو مفهوم كما نلاحظ مستمد من نظرة واقعية كأننا بصدد "شيء" اسمه الحضارة ونرى بأم أعيننا لما يحصل من عمليات تبادل بين الفرد والمجتمع الذي آوى هذا الفرد.والملاحظ هنا أيضا أن طرح الفكرة بالنحو الذي هي عليه به تجديد.
     ويقدم مالك بن نبي مفهوما وظيفيا للحضارة فيقول:"إن عينات حضارة ما: هي منتجاتها الاجتماعية في جميع أشكالها.فالمصباح الذي نستنير به، والأفكار التي وجهت أمر تجهيزه والآدميون الذين قاموا بعملية إنجازه، تمثل جميعها منتجات اجتماعية لحضارة معينة ". ويستعين في تحليله لقوله هذا بعلم الاجتماع كي يصل إلي تفكيك العناصر الأولى التي كونت هذا المنتوج، فيجده في عناصر ثلاث، هي: الإنسان والتراب والزمن.
      فيقول: "ونحن لو حللنا وجهة نظر علم الاجتماع لهذه "العينة " لوجدنا أن محتواها أو مادتها تؤول إلى ثلاثة حدود وهي:التراب والزمن والإنسان ".([2]) –ونلاحظ أولا:
        أن التجديد، هو التحليل الذي يستمده مالك بن نبي من علم الاجتماع المعاصر .و ثانيا:
      أن هذه العناصر لا يمكن أن تؤتي ثمارها إلا وفق شروط أي في حالة ما إذا تم التآلف بينها. أعني أن المنتوج حينئذ تتحكم في ولادته "صبغة نفسية"وهي هنا الحالة التي تذكر دائما أي مجتمع بحالة إعلانه لميلاده.والتجديد هنا في الاستفادة أيضا من علم النفس الاجتماعي. ومن هنا فإن العناصر السالفة الذكر، لا يمكن تصورها بمعزل عن بعضها البعض. وعليه فإن العنصر الأول، أي الإنسان هو الفاعل الحقيقي لأي إنتاج. وهو هنا يمثل الفكرة التي كشفت عن المولد. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصور أن هذه الفكرة جاءت من الفراغ. ومن هنا فإن الشرط الثاني يبدوا ضروريا لأي عملية ميلاد. وهو هنا عامل الزمن. ولكن أيضا فإن الذي لا مراء فيه، هو أن الميلاد لهذا المنتوج هو أصلا مستمد من المادة التي بواسطتها يتم إنتاج هذا المولود. وهو هنا ما يسميه بالتراب والمقصود به ليس الإنتاج المادي، بقدر ما يرمز لأي شكل من أشكال الإنتاج. يقول بن نبي في هذا المعنى "فحينما نحلل منتجات حضارة، ولنأخذ أيا منها ولتكن هذه الورقة فإننا نجدها تتكون من عناصر ثلاثة –الإنسان –لأنه هو الذي ولدها بفكره وصنعها بيده، في بغداد في العهد العباسي، حيث اخترع الإنسان الورق.
     فالعنصر الأول الإنسان، أما العنصر الثاني فهو التراب، إذ من التراب كل شيء على الأرض وفي باطنها. ومعنى التراب هنا ليس هو المعنى المتبادر إلى الذهن.فقد تعمدت ألا أستخدم كلمة مادة لأسباب، فقلت التراب. لأن التراب يتصل به الإنسان بصورتين: صورة الملكية أي من حيث تشريع الملكية وهو يتصل به بصورة أخرى من ناحية علم التراب والمعلومات التي تتصل به كالكيمياء وغيرها فالتراب نعني به هذين الجانبين جانب التشريع وجانب السيطرة الفنية، والاستخدام الفني ، فالتراب بهذا المعنى يدخل في عناصر الورقة.
     وأما العنصر الثالث فهو الزمن لأنه إذا صح ما أقول فلماذا لم يخترع الفكر الإنساني الورقة قبل هذا التاريخ ؟إن الجواب على ذلك هو نقص تجاربه في هذا المضمار، في مضمار علم التراب والنبات. فالزمن قبل ذلك التاريخ لم يكف لتخمر فكرة ابتكار الورق.إذن يجب أن تتجمع عناصر ثلاثة حتى يتكون منها الورق:الإنسان التراب الوقت. وهذا التحليل يوجب علي أن أقول منتوج حضارة وهنا( ورقة ) =إنسان +تراب +وقت "([3])..
     وبعد تحليلنا للمفهوم ولعناصر الحضارة، وشروطها، وحتى نتعرف على مبررات بقاء حضارة قائمة، واختفاء حضارة لا بد من أن نقلب صفحة نحاول فيها أن نجري مقارنة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، ذلك ما يلخصه لنا مالك بن نبي عندما يجري هذه المقارنة ـ طبعا لا لشيء سوى لاستخلاص النتيجة و"الأيام"(*) التي تضمن شروط بقاء حضارة في استمرارها.

-        التغيير في الأفكار
     يقوم مالك بن نبي بالمقارنة بين الحضارتين انطلاقا من بدأ هاتين الحضارتين(*) فيرى أن الحضارة وكل حضارة تمثل في الواقع من انطلاقها شرارة الفكرة الدينية في المجتمع الذي يكون "خام" حتى تبعث فيه الروح التي تنشطه.
فالحضارة الغربية (وهي الحضارة المسيحية) بنيت على أساس ما قام به يسوع عليه السلام في بيت لحم في فلسطين، إلا أن المسيح لما نزل في بيت لحم هناك بالبلاد التي عُرفت بعد ذلك ببلاد الشام كان مجيئه في الحقيقة لا سباب واقعية ونموذجية. بمعنى أن نزول الدين المسيحي هناك جاء بعد أن ساد الجهل والوثنية في تلك المنطقة التي كانت مجال صراع الإمبراطوريتين: الرومانية والبيزنطية، بل وحتى منذ فجر التاريخ. إذا فالمنطقة كانت منطقة مجال تصارع الأفكار بالدرجة لأولى يقول ويل ديورانت في هذا المعنى " والحقيقة نقول أن منطقة ما يعرف اليوم ببلاد فلسطين وسوريا ولبنان" كانت منذ فجر التاريخ ممرـ أقل شيء ـ لأكثر من حضارة "([4]) k k^vd lrhvk, fdk hgpahv, hghsghld, ;hgpahv, hgyvfd,K lkjdlkjdkdkمينينيكشمنسيتبكخهمنتبيشكمنسيتبشششششمننكمنتيمنتتت. وبهذا السبب وحده نعرف وأن هذه البلاد لما نزل فيها الدين المسيحي وجد أنذاك أقواما كثير ومعهم بنوا إسرائيل، وكما هو معلوم ـ من القرآن الكريم ـ فإن لهؤلاء افتراءات عظمى على عيسى وعلى الكتاب الذي أنزل معه.
 إذا فإن مهبط الوحي المسيحي  حسب نظرة مالك بن نبي كان يعاني تزاحم أفكار ـ كما أسلفناها ـ وهذا السبب كان كافيا لتبرير مدى تأخر المسيحية في الانتشار في العالم بالرغم من أنها أنزلت قبل الفكرة الإسلامية بحوالي 7 قرون. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن تأخر المسيحية في الانتشار عاد أيضا إلى تلك التحريفات التي منيت بها، خاصة بعد وفاة المسيح عليه السلام: (تعدد الأناجيل إلى أكثر من واحد خير شاهد على ذلك).
          وللإنصاف نقول أن المسيحية لم تنتشر نتيجة لما كانت المنطقة التي ولدت فيها في تزاخم فكري هائل وعظيم.([5])
          أما الإسلام فلما كان حسب مالك بن نبي مهبط الوحي فيه هو غار حراء الذي عرف كنقطة في مكة أو كإشعاع روحي، وبالتالي أول دفعة للفكرة الإسلامية، حتى أن مكة بالرغم من أنها كانت أول بيت وضع للناس ـ لم تعرف تلك الزحمات الحضارية التي عانتها بلاد مهبط الوحي المسيحي، بل بالعكس فإن مكة كانت أرضا عذراء خصبة لهذا السبب وحده تمكن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أن ينشر الرسالة وأن يبلغها إلى المعاصرين له ممن كان على قيد الحياة. ثم أن تبليغ الرسالة، لم يكن ليحصل لو لا أن القرآن الكريم كتاب الإسلام كان قد شد النفوس إليه فتمكنت منه وحفظته رأسا على عقب "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون". ([6]).
ومن هنا أخذت الفكرة القرآنية فاعليتها ـ إذ لم يلحق بها أي تحريف ـ حتى رأينا أنه خاصة على أيام صحابة رسول الله وبعدهم مباشرة فُتحت بلدان وأمصار كثيرة ـ انطلاقا دائما من مكة والمدينة ـ كل من بلاد الشام ومصر والشمال الإفريقي والعراق وإيران حتى الهند والصين. وتوغل الإسلام بعد ذلك في جنوب أوربا وأواسط إفريقيا، إنها القفزة الكبيرة على مجال التاريخ ـ في ظرف لا يتجاوز خمسين سنة.
     وبخلاف هذا وجدنا الفكرة المسيحية بالرغم من أنها -كما قلنا- انطلقت من بيت لحم إلا أنها بعد وفاة المسيح تقوقعت هناك فقط. نتيجة لما ذكرنا من أسباب، حتى أن الفكرة الإسلامية كانت تمر بعهود ما سمي بفترة الحكم الأموي وعصر الحضارة الذهبي، وتنتهي إلى عصر الانحطاط وهو ما يرمز له سياسيا وعسكريا بأيام سقوط غرناطة سنة 1492م.
     إذا فبعد تلك الهجرة (التي استطاعت بها المسيحية أن تولد مرتين)، نلاحظ عامل مهم: هو ظهور القديسين (في أوربا: في إيطاليا خاصة)، الذين عملوا على ترسيخها في المجتمع الغربي ومن جملتهم ظهور القديس توما الأكويني([7])."Thomas d'aquin" (م 1274م)،  خاصة عندما كان يدون:" إنني مسافر في هذا العالم ومحط ترحالي في العالم الآخر". وازدادت المسيحية تثبيتا عندما بدأ عالم أفكار أوربا في الظهور بداية من عصر النهضة بتلك العقول التي سيرتها كالعقل الديكارتي([8])الذي منح لأوروبا ثقة كبيرة في استخدامها للعقل في جميع الميادين ، أو عقل الثورة الكوبرنيكية ([9]) أو غير ذلك من الأعمال التي قام بها  الفلاسفة والمفكرون والعلماء الذين ظهروا ابتداء من القرن الرابع عشر فالخامس عشر وما تلتهم من قرون، إضافة إلى ثورات الإصلاح ـ ثورة م . لوثر  M. Luther (  1483م- 1546 م ) - التي قامت في أوربا قبل هؤلاء.
     يزيدنا مالك بن نبي تحليلا عن توسع الحضارة الغربية وعن ازدهارها، -فحسبه- فلقد استطاعت بتلك الأفكار أن تبقي عالم أشياء أوربا وتشحذ سلوكاتها. بتأثير ـ سواء عن وعي أو من غير وعي ـ من تخمر الفكرة المسيحية.([10])
     وهكذا تمكنت الحضارة المسيحية من رفع مستوى الفرد الأوربي إلى مستوى "الإمكان الحضاري". غير أنه-أي مالك- يعاود الكرة وينتقد الحضارة الغربية إذ أن   " عالم أفكار أوربا" كانت انطلاقته سيئة حيث لم يكن منطلقا إلا ممثلا لفكرة " أنا أفكر إذا أنا موجود " الديكارتية. ولهذا لمسنا عصرا كانت فيه " الأنا الأوربية قد " بلغت أوج ذروتها في " التضخم " حيث أن هذا الأخير صنع الذات الأوروبية لما تأثرت بفكرة الكوجيتو الديكارتية التي كانت مبنية على " الأنانية ".
     وهكذا لمسنا هذه الفكرة نفسهاقد أعاد بناءها أدم سميث  ) Adam, Smith1723-1790م )في المجال الاقتصادي بفكرته" دعه يعمل دعه يمر" مما سبب التالي: مشكلة فتح أسواق خارج أوربا لكن يكون هذه المرة " "الفتح" ممثلا بالاستعمار ـ طبعا لأنه انطلق من إرضاء شهوة.
      إن التجديد يظهر في الطرح ذاته للفكرة حيث أن الدراسة المقارنة لما بين الحضارتين لم نعهده عند الذين سبقوا مالك بن نبي-(عدا توينبي).
      وأهم هؤلاء من القدامى ابن خلدون الذي كان يتناول الدولة كإطار ضيق للدراسة:      كانت الدولة سواء في تكونها الأول أي في شبابها أو في هرمها ما هي سوى تلك الممثلة للعصبية – وتبقى قوة هذه الأخيرة، أو ضعفها هو الذي يحدد شكل الدولة التي تعني عنده الحضارة.([11])
       وأما أهمهم من المعاصرين أرنولد توينبي الذي يرى في عاملي التحدي والاستجابة أهم عوامل التطور الحضاري فكلما كانت قوة التحدي الطبيعية فعالة كلما كانت الاستجابة أكثر فعالية والعكس صحيح. ([12]). (لقد استعاض فكرتي: القضية ونقيض القضية والتركيب بينهما، التي جاءت بها الهيجلية بفكرتي التحدي والاستجابة).فإذا كان الظرف الاستثنائي عند توينبي طبيعي، فإنه عند مالك بن نبي هو ذاك الذي توفره "البذرة الدينية" وهي أساس معامل الفعالية في أي حضارة.    
 التغيير وتطور الحضارة.
        إن الهدف من تحليل مراحل الحضارة هو إبراز الدور التاريخي الذي تقدمه كل مرحلة للمرحلة الموالية من جهة ومن جهة أخرى تذليل المفاهيم المتقاربة في الطرح ومن ثمة تمييز الطرح البنَابي بسماته.ومن هنا تأتي عملية الكشف عن التجديد في كل خطوة من هذه الخطوات .
          فبعد دراسة للتاريخ الحضاري الإسلامي منه والغربي، يحاول أن يكشف عن نظرية مراحل الحضارة- مع العلم أن ابن خلدون كان قد وضع مراحل ثلاثة للتطور في الدولة (أي للحضارة) – قيل عنها أنها "تفسير بيولوجي"(فالدولة عنده تبدأ بمرحلة الفتوة والشباب فالرشد والكهولة، فالشيخوخة والهرم ).
          يقسم مالك بن نبي الحضارة إلى ثلاثة مراحل هي:
         مرحلة الروح، مرحلة العقل، مرحلة الغريزة، فماذا تعني كل مرحلة من هذه المراحل؟وما هي علاقتها ببعضها البعض كتفسير للحركة التاريخية؟ذاك ما سنتعرف عليه في التحليل التالي:
مرحلة الروح:
     هي تمثيلا أولياً " لإشعاع الفكرة الدينية تلك التي تتمكن من النفوس فتبنيها بناء " مرصوصا "([13]) . كما كان ذلك في عهد الرسول (ص) وجماعته من الصحابة والخلفاء الراشدين، إذ أنه في ذلك العهد كانت الروح التي بدأت في غار حراء، قد فعلت فعلتها في النفوس. فكنا نلاحظ أنه وبمجرد ما تتنزل آيات الخمر مثلا. فإن الصحابة ينتهون عن شربها حتى أن واحدا كعمر ابن الخطاب –رضي الله عنه (والذي كان يتعاطاها في الجاهلية) تخلى عنها بتلك السهولة بمجرد أن أعلن إسلامه-يأتي مالك بن نبي على أمثلة عديدة لفعل القرآن فيها لا نرى ضرورة لسردها كلها - (نذكر هنا أن كلا من الـولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي كانا قد أصدرا مرسومين يقضيان بمنع تعاطي" الخمر "ثم تراجعا عنه لاحقا، حتى أن الرئيس الأمريكي في 1963 تراجع -بعد شهر من إصداره للمرسوم- عن قانون المنع هذا والسبب هو أن المجتمع الأمريكي لم يكن ليجد الروح المربية للنفس كما أقامها القرآن الكريم، في قبائل قريش).
        ومرحلة الروح هي تلك الفترة التاريخية من الحضارة الإسلامية التي بدأت مع نزول أول آية من القرآن الكريم. واستمرت حتى معركة " صفين " 37 هـ ([14]) . أي أنها المرحلة التي مارس فيها القرآن نشاطه في النفوس، فجعلها تلبي النداء كل لحظة. وهي المرحلة التي امتدت ما بين نزول القرآن المكي ونزول القرآن المدني إلى أن يأتي رابع خليفة للمسلمين – ولا يمكن تحديد الفترة الزمنية التي استغرقتها بالضبط. حتى أن فترة بداية الملك والفوز به كانت هي الأخرى تعود إلى"الأريحية"- بتعبير عباس محمود العقاد-( [15])التي وصمت ما سمي ب"الفتنة الكبرى":بين أنصار معاوية الذين رفعوا السيوف على الرماح وقال لهم معاوية قولوا هذا حكم بيننا وأنصار الروح التي صنعت نفوسا من أمثال علي كرم الله وجهه في علوه وشهامته وقوة إيمانه. والذي رد عليه بقوله : "كلمة حق أريد بها باطل"[16].هذه البداية لمرحلة جديدة يقول عنها مالك بن نبي في كتابه وجهة العالم الإسلامي لقد هزت الحادثة نفسية المسلم   لأول مرة في ضميره فبدأ ما هو سياسي هو غير ما هو  ديني . وهذا في نظره أول منعرج في تاريخ الحضارة الإسلامية. لكن مع ذلك بقيت الروح تفعل فعلتها في النفوس لأن العلاقة الاجتماعية هي ضل العلاقة الروحية في المجال الزمني.   
مرحلة العقــل:  
              وهذه المرحلة لا تمثل في رأي مالك بن نبي سوى تنازلا " لعالم الروح " إلى      " عالم العقل "   وهي التي أتت بعد مرحلة الروح، حيث " قوة الإيمان " هي التي تُمكِّن العقل من الفهم. وهي لا تُمكِّنه من ذلك وحسب بل تحفزه على الأخذ بالعلم.
        تاريخيا يمثل هذا العصر العباسي الذي عُرف بالعصر الذهبي للحضارة الإسلامية،حيث جمع لنا هذا العصر قائمة بأسماء علماء ومفكرين شهد لهم التاريخ بأنهم أعلام عصرهم  ومن ذلك أمثال الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي في الفكر. وابن حفصين وابن النفيس والرازي وجابر والخوارزمي في العلوم....  والقائمة طويلة جدا ولمن أراد الإطلاع يعود إلى موسوعة الأعلام في العلوم. بمعنى أن المجتمع التاريخي هذا إنما وصل إلى تكملة بنائه الاجتماعي ذاك البناء الذي تُلخصه هذه المقولة من مالك بن نبي حيث يقول: " إن العلاقات الاجتماعية تمكنت بما يملك(أي المجتمع الإسلامي) من قيمة خلقية استطاعت أن تنميها (أي الفكرة القرآنية). أن توجد " عالم أفكار " و " عالم أشاء " الحضارة. حتى أن هذا الأخير ممثلا في العهد العباسي الأول والثاني وما تلاه – إنما عبرت عنه كبريات الجوامع والمنارات والقصور وغيرها التي أنشئت هنا وهناك في كل من بغداد والقاهرة ودمشق وغيرهم.
         ولو تتتبعنا الرسم البياني التالي فإنه يوضح لنا :
                           مرحلة العقل
مرحلةالغريزة

                                                                                     0


          أن الحضارة ممثلة في نقطة الانطلاق فيها من " 0" إلى " أ ": هي ما كانت ترمز إلى أول نزول لآيات القرآن الكريم. وكنا سمينا هذه البداية- حسب التقسيم الذي وضعه مالك بن نبي للحضارة - بمرحلة الروح. وهي أيضا تلك البداية التي عبّرت عن رحلة قطعها الإنسان بعد إنهائه لمعيار قيم المجتمع الذي ساد حياته - حينما كان في ما قبل الحضارة-فبمجرد حدوث ذاك العارض " أو الظرف الاستثنائي الذي غير مجرى حياته (حياة الإنسان في العهد الجاهلي) والذي كان بمثابة عالم النطفة في علم البيولوجيا- (إذ هي الخلية التي تحمل بين طياتها ما سينجم عنه ضيف ومولود جديد للحياة مع أنها تلقح البيضة)-كانت الانطلاقة نحو البناء والتشييد.([17])
        وهي (أي الروح) على محور الزمن ممثلة أيضــا في تلــك الصفات التي كانت تحملها معنى أمة في آية " إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين، شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم...  ".  ([18])
          فإبراهيم لم يكن أمة إلا بما تجسدت فيه صفات الأمة أي أنه كان يحمل الخصائص المورِّثة للقيمــة الاجتماعية للمجتمع الذي يوجد مكوِّنا للأمة الإبراهيمية. وهي بصريح الآية الأمة الإسلاميــة: " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ". ([19])
          وهكذا شهد المجتمع الإسلامي الأول: الرسول (ص) والصحابة رضوان الله عليهم بداية تكوُّن (الضمير الحضاري)، ولقد كان آنذاك كله محتملا في ضمير الغيب، حتى تكوَّن عالم أفكار هذه الأمة وعالم أشيائها (وهو المتمثل في الذي مر معنا من أعلام ومعالم حضارية).
          ثم إن العقل كما قلنا يعمل بقوة الإيمان، كأن العقل هنا له محفزاته التي تعمل على إيقاضه من نومه العميق، كما شهد على ذالك عصر ما بعد الموحدين والذي بقيت فيه أمام الناس أنذاك مقدمة بن خلدون حروفا ميتة –حسب تعبير مالك-. وكأن هناك رابطا متينا يربط مابين قوة الإيمان الموجودة رمزيا على مستوى القلب وعالم العقل الذي يتأثر لذالك. ومن هنا فإن ما يصلح لأن ينطبق على الفرد يصلح لأن ينطبق على المجتمع، ومنه يصلح لأن ينطبق على الأمة وبالتالي على حضارة هذه الأمة.وهو أيضا ما عُبِّر عنه بطريقة أخرى(حتى إذا وهنت الدفعة القرآنية ضؤل إشعاع العقل وانحطت الحضارة) وهو بتعبير بن نبي  : "حيث ما فقدت الروح سقطت الحضارة وانحطت، لأن من يفقد القدرة على الصعود لا يلبث أن يسقط بتأثير من جاذبية الأرض". ([20])وهو القانون العادي والطبيعي والذي لا يزيغ عن دقته المتناهية.والجديد في هذه المرحلة أن بن نبي يستفيد من دراسة التاريخ ومن تجارب الأمم حتى أن مرحلة العقل هذه لا يمثلها على محور الزمن العصر العباسي للحضارة السلامية وحسب وإنما يمثلها أيضا عصر ما يسمى بالديكارتية والتنوير (وهي مرحلة عقل الحضارة الأوروبية). 
          وبناء على كل هذا تأتي المرحلة التي تعقب مرحلة العقل، بعد أن يخمد إشعاعه.هذه المرحلة هي:
      مرحلة الغريزة:
      في هذه المرحلة تبدأ في الظهور بعض السيمات التي تطبع المجتمع، حيث ينحلل المجتمع من علاقاته الاجتماعية. كأن تصبح( هذه العلاقات ) لا تحمل العنصر المؤلف لها، والذي هو القيمة الخلقية-على غرار هذا فإن بن خلدون يجعل من العصبية هي العنصر المؤلف في فتوة البداوة ([21]). هذا ما نجده ممثلا في بدايات أفول أي حضارة وحتى في الحضارة الإسلامية. يقول مالك بن نبي في هذا المعنى: " تختان الحضارة إذا ما فارق دعاتها سبيلهم الذي يسلكونه من أجل نشاطهم المشترك، واتخذوا سبلا وطرائق متخالفة، تجعل النشاط مستحيلا. فسبل تنسل إلى حضيرة التصوف، وأخرى تنحدر إلى عالم العجائب الذي هبت منه روح ألف ليلة وليلة، وثالثة تدعي الرقص والغناء، بدعوى أنها تحضرت ". ([22])
إذن علمنا وأن المجتمع في مرحلة الغريزة من الدورة الحضارية، يفقد كل ما يربط أواصره: كأن تصبح بتعبير آخر الطرقية موضة محببة للقلوب التي تستمتع " بالإشراق النوراني ". أو تصبح صالونات الآداب (بالأندلس) مراقص وملاهي بدعوى التجديد في التطور أو-التقدم الحضاري. وتصبح الزخارف والعناية بالمنظر على حساب المخبر غاية هذا المجتمع أيضا كأن يحدث فيه ما يحدث من عجائب ألف ليلة وليلة. ([23])
     هذا على صعيد العلاقات الاجتماعية، أو على ما اصطلح عليه " بعالم الأشخاص " أما فيما يخص عالم أفكار هذه الحضارة في مرحلة الغريزة، فإنها أيضا تصاب بالشلل " فقد تكفي لذعة إبرة ليحل الشلل بشبكة العلاقات الاجتماعية كما يكفي لاشيء (في مكان ما) ليحل الشلل بالجهاز العصبي " ([24]). وهذا ممثلا في عصر الانحطاط من الحضارة الإسلامية: (أي على أيام ابن خلدون حيث بقيت " المقدمة " حروفا ميتة، وحيث كانت مكتبات القيروان وفاس وغيرها، تزخر بالكتب، دون أن تجد منشغلا بها أو حتى متصفحا لها).
    إن مرحلة الغريزة في الحضارة هي الطور الحضاري الذي ينبئ عن مجتمع سماه مالك بن نبي بمجتمع ما بعد الحضارة، وهو ممثلا أيضا على محور الزمن من وقت سقوط دولة الموحدين بالمغرب العربي حتى عام 1868 ، حين بدأت ملامح حضارية تمهد لشيء في طريق النهضة،( لكن هذه الأخيرة سارت على نصف الطريق فتوقفت وللأسف على ما يشبه " الإرهاص " الحضاري).
      إن بحثنا هذا المتواضع، كشفنا من خلاله عن بعض النتائج تتمثل في التالي :
أولا : إن الخلدونية في فكرتها عن الدولة (والتي هي نموذج الحضارة) كانت قد أولت عناية كبرى بتاريخ دويلات المغرب الإسلامي، وكيف مرت هذه الدويلات من مرحلة إلى مرحلة أخرى لكي تصل أخيرا إلى التفسخ والانحلال، أو بالأحرى كيف مر تاريخ هذه الدول من الطفولة إلى الشيخوخة، والهرم: إنه مفهوم بيولوجي لتطور الدولة. وهو بهذا المعنى لا يفسر لنا محتوى للعلاقات الاجتماعية، آخذا طبعا- بعين الاعتبار العصبية كمفهوم بيولوجي. ثم وإن كان كذلك فإنه يقدم لنا نموذجا للتاريخ الذي يتسم بالدورية، ضف إلى هذا أن الحياة الاجتماعية هي غير الحياة البيولوجية. فإذا كانت الأولى تحتاج إلى عالم أو مهندس اجتماعي، فإن الثانية تحتاج إلى عالم حياة، وهناك تباعد بين الحياتين.
          ثم إن ابن خلدون لما انكب على دراسة التاريخ كتطور لمجتمع معين هو مجتمع المغرب الإسلامي بقيت فكرته ضيقة في مجال الجغرافيا.والتجديد هنا أن مالك بن نبي يأخذ بمراحل ثلاث في الدورة الحضارية لكن لا يضفي عليها التفسير البيولوجي بقدر ما يعطيها تفسيرها الاجتماعي، كذلك التفسير البنابي تفسير أوسع وأشمل لأن الدراسة للتاريخ عنده كانت قد شملت المقارنة بين الحضارتين الإسلامية والحضارة الغربية -( طبعا مع أخذه للفوارق الزمنية التي تميز مابين الحضارتين على محور الزمن وكذا على محور المضامين الفلسفية للحضارتين.
          وثانيا نجد أن بن نبي ينتقد فكرة هيجل عن التطور والتقدم التي تجعل من الأسرة أهم لبنة في التطور: لأن المجتمع المدني هو مرحلة حضارية أخرى، تبحث عن أرقى شكل من أشكال الحضارة. والتي تجسدها الدولة التي تعني عنده في ما تعني الأمة الراقية المتحضرة.يرى فيها بن نبي، إذا كانت الهيجلية رغم تأسيسها للمنطق الجدلي واعتمادها عليه مستعينة بفكرة العقل: "اللوغوس" Logos  فإنها لم تتمكن من وقعنة عقلانيتها في التاريخ، وإلا فكيف بها تنطلق من أن العقل هو غاية التاريخ الإنساني لتعود عن قولها بفكرة أن الشعوب الجرمانية هي وحدها غاية التاريخ الإنساني،وإذا كانت كذلك فبماذا تفسر " العقل " الذي يقيم هذا التمييز العنصري بين الشعوب؟ ومن جهة أخرى، بماذا تفسر هذا العقل الذي باسمه استُعمِرت شعوب؟ وهل أن التاريخ هو الهيمنة والسيطرة ؟ وإذا كان كذلك فإن هذا يتنافى مع فكرة أخرى عندها وليدة العقل هذا نفسه وهي  فكرة الحرية.(والملاحظ أيضا أن النقد هذا لفكرة التطور الحضاري تجد لها نقدا مؤسسا عند بن نبي). إذا فالتاريخ قد يأخذ تفسيرا آخر، وفعلا وجدناه مع فكرة الاقتصاد التي جاءت بها الماركسية - وحسب بن نبي- كي تكون مُخلِّصة للشعوب من عصر يسمى " عصر الاستعمار " هذا سياسيا. وكي تكون مثبتة لأسس أخرى كالعدالة الاجتماعية والسلام اجتماعيا أيضا.
     ويرى بن نبي  أن الدياليكتيك الماركسي بالرغم من أنه وجد أسسه في قلبه الهيجلية. إلا أن الفكرة الماركسية تقيم السيرورة التاريخية كدورة مغلقة (من المرحلة المشاعية، إلى المرحلة الشيوعية)، فيها نوع من التفسير الضيق، والواقع أكد لنا أن هذه " الواقعية " أخرجت " العقلانية " التاريخية من المآزق ولم تخرج الإنسانية من المآزق. خصوصا وأن دائرة التنبوءات التاريخية لماركس نجحت مع شعوب " العقل " (كالشعب السويدي) ولم تنجح مع شعوب أخرى عبر قارات العالم المختلفة.وهو الانتقاد الثاني الذي يقدمه بن نبي للماركسية: حيث أن التجديد هنا مقام على بصيرة النقد للفكرة الماركسية في تصورها لمراحل التطور"الحضاري" .
      وحسب بن نبي دائما فلقد عوض تويبني فيلسوف التاريخ الإنجليزي فكرة طرفي المنطق الجدلي بفكرة التحدي-والاستجابة ووضع لها شروطا. وهي محاولة منه لسن قانون الحركة التاريخية من جهة، ومن جهة أخرى فهي محاولة " ضمير " استرجع أنفاسه، تلك الأنفاس التي تقطعت بها الأسباب في معركة " ستالينغراد " وفي معركة " العلمين ". ولكنها محاولة أيضا يندى لها ضمير التعايش السلمي بعد الحرب العالمية الثانية. وحصل لها كل هذا- في اعتقادنا- لأن الفكرة هي أولا وقبل كل شيء تولد في مناخ ثقافي (عبر عنه عصر غاليليو بإعلانه الطلاق بين الدين المسيحي والعلم، كما عبر عنه عصر الاستعمار بشكليه المعروف والمقنع الجديد).
      ويقلب مالك بن نبي صفحة جديدة في سنه للأسس الأولى للحركة التاريخية مع مفكري " الأزمة العالمية المعاصرة " ليرى أنه على الإنسان-في أوسع معانيه- أن يهتف: يجب أن ينتهي التاريخ، يجب أن يفلس التاريخ، يجب أن نعلن الإفلاس، يجب أن ينتهي التاريخ في نقطة ما كي يتجدد في نقطة أخرى.
     لذا فإنه أقام فكرة التاريخ في حركيتها في ضوء القرآن الكريم بداية من " الفعالية "          و" الوعد والوعيد "، ومرورا برسم العوالم الأساسية لهذه الحركة التاريخيةفي الحضارة ، والمتمثلة في النشاط المشترك لكل من " عالم الأشخاص " " وعالم الأفكار " وعالم " الأشياء " نحو سهم ذا غاية واحدة هي: عالمية الحضارة والحضارة وحدها.

    
نتائج البحث
والحقيقة أن النتائج التي توصلت إليها من خلال تفحصي لفكرة التغيير  عند مالك بن نبي هي :
     أولا : أن رسم المعالم الأولى للانطلاق في الحضارة لا يعني التحضر بل يعني إمكان تحضر.
     ثانيا: إن البحث في فكرة الحضارة لا يعني أبدا مدح التاريخ والبكاء على إطلاله إن أردنا أن نقيم حركة تاريخية أي أن نغيير.
     ثالثا: إن حركة التاريخ حركة التغيير  إذا كانت لا تأخذ بمقوماتها " بدعائمها " الأساسية هي ضرب من الضبابية للتاريخ، حيث يبقى الغبار عليه.
     ورابعا: إن التعامل مع الحركة التاريخية أي التغيير  في فكرة الحضارة، يعني أولا وقبل كل شيء شحذ المفاهيم العالمية لفكرة التاريخ.للاستفادة منها وهو التغيير الذي يتقدم به بن نبي.
     وخامسا: إن التسلح بالعلمية لتأكيد التاريخ شيء مهم، ولكن شرط أن نضع منهجا لائقا لهذه العلمية، أعني يجب الأخذ بمنهج باستور "Pasteur,Louis" (1822م- 1895م) وليس بمنهج  ديكارت Descartes, René""(1650م-1596م).
          وأخيرا إن فكرة مالك بن نبي عن الحضارة عليها هالة من التجريدية وحتى نتمكن من الأخذ بها يجب أن نتسلح بالفكرة الفعالة تلك الفكرة التي أخرت المسيحية " قرونا وسطى " واضطرتها إلى الهجرة من مولدها. ثم إن التاريخ أصبح اليوم ذا صبغة عالمية بحضارته، فما العمل كي يصبح التاريخ حضارة إنسانية؟
          إن الموقف صعب وخطير للغاية، وهو لا يؤهلنا للأخذ بما انتهى إليه عمر الإليكترون. وإلا وقعنا في إشكالية تقليد أثر رجل انتهت به الحضارة، برجل هو في بادرة حضارة. وهيهات أن يتوقف الأول، وهيهات أن يصل به الثاني، لذا علينا أن نقدم إلى الأرض الجدباء في أعلى الجبل ماء من أسفل الجبل يروي ضمأها. إنه فعل مرحلة الروح-والروح وحدها ".                                                                                                  
- ثبت بالمصادر والمراجع.
مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، ط 4، دار الفكر، دمشق          (1981).
مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية، ترجمة  عبد الصبور شاهين، ط 4، دار الفكر، دمشق        (1981).
مالك بن نبي، دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين، ترجمة عمر كامل مسقاوي، ط    4، إصدار ندوة مالك بن نبي، دار الفكر، دمشق (1983). 
مالك بن نبي، آفاق جزائرية، ترجمة " الطيب الشريف، ط 4، مكتبة النهضة الجزائرية (بدون تاريخ).
مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، ترجمة عبد الصبور شاهين، ط 4، دار الفكر، دمشق         (1974).
مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة عبد الصبور شاهين، ط 4، دار الفكر، دمشق (1981).
مالك بن نبي، حديث في البناء الجديد، ترجمة وتقديم، عمر كامل مسقاوي، ط 4، المكتبة العصرية، صيدا بيروت (بدون تاريخ).
مالك بن نبي،  الحضارة- مهرجان ملتقى الفكر الإسلامي الجزائر-، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر (1973).
ابن خلدون (عبد الرحمن)، المقدمة، تحقيق محمد عبد الواحد وافي، ط 2، مطبعة لجنة البيان العربي (بدون تاريخ).
أحمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ، ط 1، دار الثقافة، بيروت، (بدون تاريخ).
أرنولد توينبي، مختصر لدارسة التاريخ، ترجمة فؤاد محمد شبل، الإدارة الثقافية، جامعة الدول العربية (بدون تاريخ).
شبينغلر أسوالد، تدهور الحضارة الغربية، ترجمة : أحمد الشيباني، دار مكتبة الحياة بيروت، (بدون تاريخ).
ألبيرت شفيتزر، في فلسفة الحضارة، ترجمة عبد الرحمن بدوي، المؤسسة المصرية العامة للطباعة والنشر القاهرة (1982)         
 عباس محمود العقاد عبقرية الإمام – البيعة- دار المعارف بمصر بدون تاريخ ص 63.
       باللغةالفرنسية
- Toynbee (A), l’histoire, édition seuil .Paris, 1980.
.-Malek (B),  Les grands thèmes, Edition Enahda, Alger 1974.
-        R. Garaudy, La philosophie de Hegel, Edition Payot paris 1982.
-        R. Aron, Critique de la philosophie de l’histoire, Edition Gallimard.
-        paris 1976.







- [1]  أنظر مالك بن نبي ،آفاق جزائرية، مكتبة النهضة الجزائرية، 1964،ص46-47
 - [2] المصدر السابق نفسه ص69-70
 - [3]   مالك بن نبي- حديث في البناء الجديد، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، بدون تاريخ، ص 100-101
(*) نقصد "بال|أيام" ما جاء في التعبير القرآني " وتلك الأيام نداولها بين الناس"
(*)  وليس من واقع هاتين الحضارتين ـ الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية بخلاف ما تقوم به الدراسات الانتروبولوجية، لكي تولد فقط فكرة العنصرية بين الشعوب "البدائية" والشعوب المتحضرة.

[4]     - ويل ديورا نت، قصة الحضارة، ترجمة منح خوري، الجزء الخامس، دار الكتاب اللبناني ص 83
 -  [5]  أنظر مالك بن نبي وجهة العالم الإسلامي،  فصل المقارنة،  ترجمة عبد الصابور شاهين دار الفكر دمشق 1980
[6]  يراجع بهذا الصدد كتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي

[7]  - القديس توما الأكوينيThomas d'aquin " لا هوتي إيطالي وصاحب علم اللاهوت في المسيحية ولد في 1225 وتوفي في 1247 م.

[8]  - نسبة إلى الرياضي و الفيلسوف الفرنسي ديكارت (1586 ـ 1650

[9]  - نسبة إلى الثورة التي أقامها كل من غاليلي وكوبرنيك في الفلك.
[10]  - أنظر لأكثر تفاصيل كتاب شروط النهضة لنفس المؤلف .
[11]  - أنظر بن خلدون (عبد الرحمن) ، المقدمة فصل في أطوار الدولةواختلاف أحوالها من ص 310-313
[12] - لتفاصيل أكثر أنظر أرنولد توينبي، تاريخ البشرية، ترجمة منح خوري ،الفصل الأول
[13]  - أنظر تفاصيل أكثر، مالك بن نبي ، شروط النهضة
[14]  - لتفاصيل أكثر أنظرمالك بن نبي وجهة العالم الإسلامي ترجمة عبد الصابور شاهين ط 4 دار الفكر دمشق 1981فصل مابين الحضارتين
[15]  - أنظر عباس محمود العقاد عبقرية الإمام – البيعة- دار المعارف بمصر بدون تاريخ ص 63
[16]  - أنظر عباس محمود العقاد عبقرية الإمام – البيعة- دار المعارف بمصر بدون تاريخ ص 63
[17]  - لتفاصيل أكثر أنظر مالك بن نبي شروط النهضة.
.
[18]  سورة النحل آية 120

[19]  - سورة آل عمران آية 66.

[20] لأكثر تفاصيل أنظرمالك بن نبي ميلاد مجتمع ،ترجمة عبد الصابور شاهين،ط2، دار الفكر ،دمشق،1974 ص104.
[21]  - يراجع بخصوص هذه النقطة بن خلدون (عبد الرحمن )، المقدمة، فصل في أن العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب225-226

 [22]  - أنظر مالك بن نبي ميلاد مجتمع ص 91

[23] نفسه ص 78.

[24] المرجع السابق نفسه، ص 78