بحث

السبت، 5 أبريل 2014

البيقوطية


من يطّلع على التعريف في الموسوعة الإلكترونية "ويكيبيديا"، يصطدم بأن التعريف العربي في تضادّ تام مع التعريف الفرنسي. يسمّيه التحديد العربي "عناد" ويعرّفه كالتالي: «العناد هو الرفض السلبي المستمر وقد يصل إلى درجة الخروج على السلطة والمبادئ والقيم والقوانين والعقائد والأعراف السليمة أو هو الخروج على ما ينبغي الالتزام به وبالتالي الخروج عن الضوابط المحددة»؛ بينما التحديد الفرنسي يقول العكس، أي أنّ "البيقوطية" هي الالتزام العنيد بالمبادئ والأنساق بمعزل عن كل تفكير حصيف وإعمال العقل. وبالتالي الشخص الذي دوّن القسم العربي للتعريف بهذه الكلمة، حدّد التعريف العكسي وهو الخروج على السلطة والمبادئ والقيم والقوانين والعقائد والأعراف السليمة؛ بينما الخروج على هذه العناصر هو في ذاته بلوغ الرُشد العقلي كما بيّن إيمانويل كانط في مدحه للأنوار؛ وكان يقصد على وجه الخصوص الخروج على الممثّل لهذه القيم، المجسّد لها (مؤسسة سياسية أو دينية) وليست القيم في حدّ ذاتها.
يستطرد التحديد الفرنسي قائلاً بأن "البيقوطي" يدافع عن أفكار أو منظومات بشكل "بليد وعنيف وجلف". استحدثتُ هذا التعريب بعد سجالات، هنا وهناك، حول موضوع معيّن يرتبط بالدين أو بالسياسة، وتوصّلتُ إلى الملاحظات التالية:
1- أصبحت "البيقوطية" فلسفة قائمة بذاتها. كنّا في فترة نعتقد أنها شيمة أناس ننعتهم بالتزمّت أو التعصّب، فإذا بي أكتشف أنّ هناك أساتذة ومعلّمين وباحثين وبعض ذوي الاختصاص العلمي أو التقني أو الأدبي يندرجون أيضاً في هذه "البيقوطية"، لأنّ الغرض ليس إعمال العقل وإحقاق الحق، ولكن الدفاع، بشكل عنيف ومغلق، عن فكرة أو نسق أو رؤية.
2- تكمن الخطورة في انتقال هذه البيقوطية من المجال الحقيقي لها وهو التعصّب الديني عند ذوي الاختصاص (داعية، إمام، فقيه) إلى المجال المجازي الذي يشتمل على شرائح مختلفة من المجتمع، البعض منها لها مكانة اجتماعية ووظيفة مرموقة.
3- المجال الحقيقي للبيقوطية تعرفونه بلا شك. أبسط مثال هو التصوّر السلفي للحقيقة الدينية، تصوّر مغلق، ضيّق، حرفي، حتى أنّ أحد دعاته أفتى بقوله: "يقول القرآن بأن الأرض مسطّحة، ومن يقول بأنها كروية فهو كافر". هذا نوع من البيقوطية، أي البلادة والغباء في التمسّك بحرفية النص وإنكار الواقع. مع أنّ التصوّر السلفي كان بإمكانه أن يكون أكثر ذكاءً ويقول: "الأرض مسطّحة بالنسبة للإدراك الحسّي، وكروية بالنسبة للإدراك العلمي"، كما هو معروف في حجج وبراهين أبي حامد الغزالي بشأن نظرية المعرفة. 
4- المجال المجازي للبيقوطية هو أخطر شأناً، لأنّ صاحبه تردّد على المدرسة، اكتسب خبرات، تعلّم مواقف، تحصّل على معارف، أي تهيّأ نفسياً وتربوياً على إدراك المعلومة ووزنها بميزان الحصافة وإعمال العقل والتدبير والتخمين. يمكن أن يكون أستاذاً أو طبيباً أو محامياً أو باحثاً، لكن علاقته بالمنظومة الرمزية أو الثقافية التي ينتمي إليها هي "تسليمية"، "إقرارية"، "خرافية". فيمكنه أن يصدّق أن الزلزال عقاب إلهي دون أن يُعمل العقل ويعرف أنّه نتاج الحركة الجيولوجية للأرض، سيرورة طبيعية في انتقال الصفائح التكتونية.
5- الأمثلة كثيرة لا يمكن عدّها وإحصاؤها كلها، ولكن الأمر الملفت للانتباه أنّ "البيقوطية" هي حالة نفسية مستعصية في "عَقد" شيء في الذهن، تكوين "عُقدة" تصوّرية تتحوّل إلى "عقيدة" ثابتة لا محيد عنها، بحيث أنّ محاولة فكّ هذه العُقدة وتبيان خطئها أو نسبويتها (على الأقل) تجابهها حميّة وعاطفة عنيفة في الذود عنها (تعرفون أيضاً "أسطورة الكهف" الأفلاطونية، فهي من هذا القبيل، أي اكتساب ظنون أو منظومات معيّنة، تتجسّد في أعراف أو مبادئ، تتصلّب، تتخشّب، تتشدّد، وتتحوّل بالتدريج إلى حقائق ويقينيات تحت وطأة الإفحام أو الإكراه أو الخداع أو الابتزاز، إلخ). 

6- أخطر "بيقوطية" هي تلك التي تستعمل المنطق والبرهان في تمتين هيكل هشّ نظرياً وفارغ فكرياً. كما علّمنا ليفي ستروس، يمكن أن نجد "المنطق" في الفكر الأسطوري والبدائي؛ حتى "اللامنطق" يمكنه أن يشكّل منظومته ونسقه بشكل منطقي؛ حتّى النازية-الهتلرية أقامت "بيقوطيتها" وبيروقراطيتها بشكل منطقي وهندسي بارع؛ حتّى الأنساق الأكثر إبهاماً في الوجود والأكثر بشاعة تختزن على منطق دفين، لأنه يكفي عناصر متماسكة لتشكيل وحدة نسقية مهما كانت. نعرف "البيقوطية" بطريقتها في تشكيل نسق متماسك الأطراف، أي تأسيس عُقدة متشابكة الألياف. تكمن قوّتها في مهارة بناء النسق، لكن هشاشتها هي وقوعها في فخّ الصلابة النسقية والصرامة الهيكلية، حيث اللعبة بين العناصر هي داخلية محضة، تتقزّز من العالم الخارجي وتخشى من الانفتاح على "البرّانية"، لأنّ البيقوطية هي بالتعريف "بلادة"، "صلادة"، "صلابة"، "شدّة"، "قوّة"، "بأس"، في تمتين النسق المبني منطقياً والخالي فكرياً، فقط لأن الفكر جدل والجدل سجال والسجال تبادل والتبادل تنوّع والتنوّع اختلاف والاختلاف حياة. البيقوطية هي موت الفكرة، توقّف التاريخ، نهاية الزمن. 


بقلم : د. محمد شوقي الزين